سيد محمد طنطاوي

199

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

هؤلاء المشركين وطغيانهم ، وانتقال من إنكار الحسبان إلى الإخبار عن حال هذا الإنسان . والفجور : يطلق على القول البالغ النهاية في السوء ، وعلى الفعل القبيح المنكر ، ويطلق على الكذب ، ولذا وصفت اليمين الكاذبة ، باليمين الفاجرة فيكون فجر بمعنى كذب ، وزنا ومعنى . ولفظ « الأمام » يطلق على المكان الذي يكون في مواجهة الإنسان ، والمراد به هنا : الزمان المستقبل وهو يوم القيامة ، الذي دل عليه قوله - تعالى - بعد ذلك : * ( يَسْئَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ ) * . أي : أن هذا الإنسان المنكر للبعث والحساب لا يريد أن يكف عن إنكاره وكفره ، بل يريد أن يستمر على فجوره وتكذيبه لهذا اليوم بكل إصرار وجحود ، فهو يسأل عنه سؤال استهزاء وتهكم فيقول : * ( أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ ) * أي : متى يجيء يوم القيامة هذا الذي تتحدثون عنه - أيها المؤمنون - وتخشون ما فيه من حساب وجزاء ؟ قال القرطبي : قوله - تعالى - : * ( بَلْ يُرِيدُ الإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَه ) * قال ابن عباس : يعنى الكافر . يكذب بما أمامه من البعث والحساب . . ودليله * ( يَسْئَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ ) * . أي : يسأل متى يكون ؟ على وجه التكذيب والإنكار ، فهو لا يقنع بما هو فيه من التكذيب . ولكن يأثم لما بين يديه . ومما يدل أن الفجور : التكذيب ، ما ذكره القتبى وغيره ، من أن أعرابيا قصد عمر بن الخطاب ، وشكا إليه نقب إبله ودبرها - أي : مرضها وجربها - وسأله أن يحمله على غيرها فلم يحمله . فقال الأعرابي . أقسم باللَّه أبو حفص عمر ما مسها من نقب ولا دبر فاغفر له اللهم إن كان فجر يعنى إن كان كذبني فيما ذكرت . . « 1 » . وأعيد لفظ الإنسان في هذه الآيات أكثر من مرة ، لأن المقام يقتضى توبيخه وتقريعه ، وتسجيل الظلم والجحود عليه . والضمير في « أمامه » يجوز أن يعود إلى يوم القيامة . أي : بل يريد الإنسان ليكذب بيوم القيامة . الثابت الوقوع في الوقت الذي يشاؤه اللَّه - عز وجل - . ويجوز أن يعود على الإنسان ، فيكون المعنى : بل يريد الإنسان أن يستمر في فجوره وتكذيبه بيوم القيامة في الحال وفي المآل . أي : أن المراد بأمامه : مستقبل أيامه .

--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 19 ص 94 .